الأساطير في الثقافة العربية دليل على النضوج الحضاري

إن كثرة ورود الأساطير والخرافات في الثقافة العربية هو دليل على أنها ثقافة غنية بالمفردات والقصص والقيم والأحداث، ولعل وجود المبالغات في ثقافة ما أمراً يدل على غنى أهل تلك الثقافة والنضوج الحضاري لديهم، رغم أن المعلومات الخرافية زائفة في النهاية.

إن استعرضت الحكاية الشعبية في العالم العربي فإنك سوف تجدها مليئة بالخرافات والقصص غير الواقعية والتي لا يعرف لها مصدر موثق أو سند متصل، من بينها قصة العماليق الذين عاشوا في جزيرة العرب ثم انقرضوا واستبدلهم الله بأقوامٍ آخرين، ويرى بعض الشراح بأنهم قوم عاد البائدة ومنهم من يرى بأن العماليق عاشوا قبل وجود قوم عاد أيضاً.

تتدرج الأساطير عبر الزمن وتختلف أساليبها وأدواتها، فنرى قصة التبع اليماني والمبالغات التي أحيطت بها حتى قيل بأنه قد فتح بلاد الروم، رغم أن الشخصية حقيقية وعاشت في اليمن وكانت موجودة في فترة الجاهلية، إلا أنها أحيطت بهالة واسعة من القصص غير المنطقية والخرافية والمبالغة في سرد الرواية.

أساطير نصفها حقيقة ونصفها الآخر من نسج المؤرخ

إن وصلت إلى مرحلة العرب في الفترة التي سبقت العصر الراشدي فإنك سوف تجد ملاحماً أسطورية يبالغ أهلها في روايتها، من بين تلك الملاحم قصة حرب داحس والغبراء والتي نشبت بين عبس وجيرانهم بني ذبيان، هناك من يدعي أن الحرب استمرت بينهما 80 عاماً ومنهم من يرى بأنها اقتصرت على 50 عاماً فحسب، وتروي القصة الشعبية بطولات أبطال عبس وذبيان خلال حرب البسوس وشجاعتهم ومكرماتهم وقوتهم الشديدة، وأرى أن هذه الحرب انتهت قبيل البعثة النبوية بقليل.

ومن المعارك الأسطورية التي يحتوي جزء منها على الحقيقة، قصة حرب البسوس بين حيين من بني وائل وهما تغلب وبكر، حيث تروي القصص الشعبية بأن القبيلتين تفانوا حتى لم يبق منهم إلا القليل وأن الحرب استمرت لمدة 40 سنة، شخصياً أعتقد أن هذه الحرب كانت موجودة بالفعل إلا أن الرواة قاموا بسردها بطريقة تحتوي على الكثير من المغالطات والمبالغات، وأرى أنها انتهت قبيل البعثة النبوية أيضاً.

الأساطير في الثقافة العربية دليل على النضوج الحضاري

إن الرواية العربية تحتوي على الكثير من الأساطير الخالدة والآلهة والحروب المقدسة والصراعات والطرائف، كل ذلك لابد وأنه من نسج الخيال العربي، هذا يدل على الوعي وصفاء المخيلة والإبداع في التأليف الخيالي الأسطوري.

غالباً ما ينظر لوجود الأسطورة في حكايتنا العربية على أنه ضعف وخطأ ينبغي محوه من سجلات التاريخ وخصوصاً بعد انتقالنا إلى عصر النور والتقنية والكتابة، في حين أرى أن هذه القصص -رغم أنها خرافية- يمكن الاستفادة منها في استكشاف العقلية العربية عبر العصور والأزمنة المختلفة.

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق